صرح مسئولون رفيعو المستوى في الحكومة الأمريكية بأن الإستراتيجية العسكرية الأمريكية لن تتغير بتغيير الأفراد. جاء ذلك عقب التغيير الذي حدث في القيادة العسكرية الأمريكية في أفغانستان بعد أن انتقد قائد الجيش الأمريكي وحلف الناتو المُقال بعض كبار الشخصيات الأمريكية. وجاءت هذه التصريحات في أصعب فترة تمر بها قوات حلف الناتو والجيش الأمريكي في أفغانستان، التي ذهبوا إليها ليقاتلوا شعبًا قاوم الجيش الروسي وهزمه شر هزيمة. على أي حال، مع أنه لم يُذكر سبب التغيير في قيادة الجيش الأمريكي هناك، إلا أن التغيير يعد أمرًا طبيعيًا خاصة عندما تصل الأوضاع إلى هذا الحد. المهم في موضوعنا هو الاستراتيجيات وتغييرها من عدمه، حيث سمعنا وقرأنا الكثير عن مثل هذه التصريحات في الفترة السابقة من قيادات أمريكية مختلفة. أشهرها وأقواها كانت أثناء حربهم في فيتنام. ومع ذلك، فرض الشعب الفيتنامي عليهم تغيير استراتيجيتهم وأخرجهم من أرضه بهزيمة نكراء. وكان ادعاؤهم آنذاك أن سبب انسحابهم، وليس هزيمتهم، هو تقديم المساعدة والمساندة من الصين والاتحاد السوفياتي والدعم الذي كان يتلقاه الثوار حينها. ومع ذلك، انتصر الشعب الفيتنامي شمالًا وجنوبًا وأصبحت فيتنام دولة مستقلة، ويمكن القول أن لديها إمكانيات استثمارية ومصادر دخلها متعددة، وعلى رأسها الزراعة، وقد تنافس باقتصادها دولًا أكثر قدرات منها.
والشعب الأفغاني ليس أقل منهم إرادة وقوة وشجاعة، بل العكس. فالأفغان بخبراتهم القتالية ضد السوفيات وعزيمتهم سوف يحققون النصر ويفرضون على أمريكا وحلفائها تغيير استراتيجيتهم. هكذا هي الشعوب الحية والمناضلة، تفرض إرادتها على الآخرين ولا تنتظر من أحد مهما كانت قوته أو قرابته مساعدتها. وبعد ذلك سوف تهب كل القوى الحرة في العالم لمساندتها لتغيير الاستراتيجيات المفروضة عليها وانتزاع حريتها بنفسها كما حدث في فيتنام.
أما الأخبار الواردة في هذه الأيام من أفغانستان فهي أن علماء أمريكيين اكتشفوا في جبالها كميات من المعادن الثمينة تساوي ترليونات من الدولارات. يا ترى هل هذه الأخبار صحيحة؟ شخصيًا أتمنى ذلك، لينتقل هذا الشعب المسلم المثابر من حالة المعاناة التي يعيشها إلى رخاء واستقرار. أم أنها مجرد أخبار، الهدف منها إلهاء الشعب الأفغاني عن المقاومة ومواجهة القوى المعتدية عليه بالتفكير في الثروة والطمع، مما قد يخلق بذور خلاف أخرى بين مختلف فئات المجتمع وقبائله.
إن عصر ما بعد الحرب العالمية الثانية الذي كانت فيه الولايات المتحدة الأمريكية قوة عظيمة قد ولى، حيث كانت الشعوب آنذاك، وبالذات شعوب الدول النامية، تنظر إلى أمريكا نظرة إعجاب وتقدير. كانت تظن أن عهد التخلص من الاستعمار الغربي قد بدأ بعد أن حاربت أمريكا بريطانيا وقضت على الاستعمار، وظهر قادة منها ينادون بالحرية للشعوب. لكن مع مرور الزمن وتغيير القادة، خاصة في بداية الستينات من القرن الماضي، تغيرت المبادئ والقيم التي نادى بها القادة الأوائل. إذ أطاع القادة الجدد المجموعات الرأسمالية التي أعادت فكرة الاستعمار للسيطرة على مقدرات الشعوب، وبدأت بالتخطيط والتنفيذ من جنوب شرق آسيا. ونظرًا لهزيمتها هناك وعدم تمكنها من السيطرة، اتجهت إلى الشرق الأوسط وإلى الدول العربية والإسلامية، خاصة مع ارتباط مصالحها بإسرائيل التي زُرعت غصبًا في المنطقة، وكذلك وجود عملاء لها في السلطة هنا وهناك. ظنت أمريكا أن بإمكانها تحقيق طموحاتها وأن السيطرة على ثروات هذه الشعوب أكثر واقعية من جنوب شرق آسيا. لكنها اليوم لا تزال تتخبط في خططها آملة تحقيقها يومًا ما.
مع وصول أوباما إلى السلطة، ظنت شعوب المنطقة أن عهدًا جديدًا قد يبدأ معه ويزيل الصورة البشعة لأمريكا التي ترسخت في أذهانها في السنوات الماضية. واستبشرت بتصريحات أوباما قبل وبعد انتخابه، لكنها تبخرت أمام طموحات ونفوذ الرأسماليين. ورغم كل هذا، فإن أمريكا سوف تضطر للخروج من أفغانستان عاجلاً أم آجلاً. لكن هل سيتوقف طمع وجشع هؤلاء المسيطرين على الإدارة الأمريكية، خاصة بتعاونهم وارتباطهم المنقطع النظير بالصهاينة وإسرائيل؟ ربما قد يحدث ذلك إذا غيّر أوباما فريقه واتخذ خطوة جريئة كما فعل جورج واشنطن الذي اختار أن يعيش بسلام مع كل الشعوب. بدلاً من الحرب والدمار للسيطرة على ثروات الشعوب، يجب على رئيس الولايات المتحدة وإدارته أن يدركوا أن هذه المليارات التي تُصرف هدراً يمكن أن تطعم ملايين الفقراء في أمريكا. والثروات الموجودة في باطن الأرض في مختلف القارات والدول، وجدت لكي تستفيد البشرية منها، ولكي تعيش شعوب الأرض بسلام وأمان.
كانت بالأمس فيتنام، واليوم أفغانستان والعراق، وغدًا شعب آخر في أفريقيا أو أمريكا الجنوبية. من يدري؟ فهل حلم التعايش بسلام بين الشعوب سوف يتحقق يومًا ما؟